مقالات
أخر الأخبار

النافذة الواحدة بين الواقع والطموح

كتب علي حميد الطائي: منذ سنوات طويلة ظل الحديث عن {النافذة الواحدة} يتكرر بوصفه أحد أهم الحلول الإدارية، لتقليل التعقيد في بيئة الأعمال وتسهيل الإجراءات أمام المستثمرين وتحويل العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص من علاقة قائمة على التعدد والتشتت إلى علاقة أكثر تنظيماً ووضوحاً.

لكن هذا المفهوم وعلى الرغم من حضوره الواسع في الخطابات الحكومية والوثائق الإدارية، لا يزال في العراق يعيش حالة مركبة بين وجود قانوني وإداري واضح، وواقع تطبيقي متفاوت وطموح أكبر من المساحات التي تحققت حتى الآن.

فالنافذة الواحدة ليست مجرد شباك إداري أو دائرة إضافية داخل المؤسسة، بل هي فلسفة إدارية متكاملة تقوم على اختصار الزمن وتقليل حلقات المراجعة وتوحيد الإجراءات، وتحقيق التنسيق بين الجهات ذات العلاقة، وهي بذلك ترتبط بصورة مباشرة بمفاهيم الحوكمة، وجودة الخدمة العامة وكفاءة الأداء المؤسسي، فضلاً عن علاقتها الوثيقة بجاذبية البيئة الاستثمارية، وقدرة الدولة على طمأنة المستثمر المحلي والأجنبي.

وفي العراق لا يمكن القول إنّ فكرة النافذة الواحدة غائبة بالكامل، فالبناء القانوني والمؤسساتي موجود إلى حد كبير، لا سيما ضمن التشريعات المتعلقة بالاستثمار، إذ نص قانون الاستثمار العراقي رقم /13/ لسنة (2006) المعدل على تشكيل نافذة واحدة في هيئات الاستثمار، لتسهيل إنجاز المعاملات والحصول على الموافقات والإجازات المرتبطة بالمشروعات الاستثمارية، كما أنّ العديد من المؤسسات الحكومية بدأت فعلياً باستخدام هذا المفهوم بصيغ متفاوتة سواء عبر مكاتب تنسيقية أو منصات إلكترونية أو لجان مشتركة بين المؤسسات.

لكنّ التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود النافذة الواحدة من عدمه، بل في طبيعة فاعليتها وحدود سلطتها ومدى قدرتها على اختصار الدورة الإدارية فعلاً، ففي كثير من الأحيان تتحول النافذة الواحدة إلى واجهة استقبال فقط بينما تبقى الإجراءات الحقيقية موزعة بين عشرات الجهات والدوائر والموافقات المتقاطعة، وهنا يظهر الفرق بين النافذة الواحدة، بوصفها مفهوماً إدارياً متكاملاً وبين تحويلها إلى عنوان شكلي لا يغيّر من تعقيد الإجراءات إلا بالحد الأدنى، بل يصبح الموضوع سلبياً أكثر.

ومن الملاحظ أن جزءاً من الإشكالية يرتبط بطبيعة البنية الإدارية العراقية نفسها، فهناك تداخل في الصلاحيات وتعدد في المرجعيات ووجود مساحات واسعة من المركزية الإجرائية، الأمر الذي يجعل أي مشروع للتبسيط الإداري يصطدم بمنظومة معقدة تراكمت عبر سنوات طويلة، لذلك فإنّ نجاح النافذة الواحدة لا يعتمد على استحداث قسم أو مكتب جديد فقط، بل يحتاج إلى إعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسات وتحديد الصلاحيات بشكل واضح، واعتماد مبدأ التفويض الإداري الحقيقي، وربط الجهات المعنية بمنظومات رقمية موحدة قادرة على تقليل الاحتكاك الورقي والروتيني.

كما أنّ النافذة الواحدة لا ينبغي النظر إليها من زاوية الاستثمار فقط رغم أهمية هذا الجانب، بل يمكن توسيعها لتشمل مجالات متعددة تتعلق بخدمات المواطنين والتراخيص والضرائب والجمارك والخدمات البلدية وغيرها من القطاعات التي تشهد تشابكاً إجرائياً يؤثر بصورة مباشرة في كفاءة الدولة ورضا المتعاملين معها، فكلما ازدادت الإجراءات تعقيداً ارتفعت الكلفة الزمنية والمالية وازدادت احتمالات التعطيل وضعف الإنتاجية.

وفي التجارب الدولية ارتبط نجاح النوافذ الواحدة بوجود إرادة مؤسساتية حقيقية نحو التحول الإداري، وليس بمجرد إطلاق التسميات أو الإعلان عن المبادرات، فبعض الدول استطاعت تحويل النافذة الواحدة إلى منصة رقمية متكاملة، تُنجز عبرها أغلب المعاملات خلال مدد زمنية محددة، فيما بقيت التجربة في دول أخرى محصورة ضمن نطاق التنسيق الجزئي بين المؤسسات من دون تحقيق قفزة نوعية في الأداء.

أما في العراق فإن الطموح لا يزال أكبر من الواقع، لكنه ليس طموحاً مستحيلاً فوجود التحول الرقمي التدريجي وارتفاع الحاجة إلى تسريع المشاريع الاستثمارية وتزايد الضغط باتجاه تحسين بيئة الأعمال مع وجود الاطار القانوني، كلها عوامل تجعل من تطوير النافذة الواحدة ضرورة مؤسساتية أكثر من كونها خياراً إدارياً، وربما تكمن الخطوة الأهم في الانتقال من مفهوم النافذة الجامعة للأوراق إلى النافذة المنتجة للقرار أي أن تكون الجهة المعنية قادرة على إنجاز الموافقات والتنسيق والمتابعة ضمن سقف زمني واضح ومسؤولية محددة.

إنّ الحديث عن النافذة الواحدة هو في جوهره حديث عن شكل الدولة الحديثة وعن قدرتها على إدارة الإجراءات بكفاءة وعن مستوى الانسجام بين مؤسساتها، فالدول لا تُقاس فقط بحجم قوانينها أو عدد مؤسساتها بل بقدرتها على تحويل هذه المؤسسات إلى منظومات مترابطة تعمل بانسيابية ووضوح، ولهذا فإن النافذة الواحدة ليست مجرد تفصيل إداري صغير، بل مؤشر مهم على طبيعة العقل المؤسسي ومدى جاهزيته للانتقال من الإدارة التقليدية إلى الإدارة الذكية القادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والتنموية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى