مقالات
أخر الأخبار

السياسة من منظور مختلف

كتبت سوسن الجزراوي: حين يقال (السياسة)، غالباً ما يتبادر إلى أذهان الناس، الرؤساء والخطب والانتخابات والمؤتمرات الرسمية وغير ذلك مما هو عالق في أذهاننا جميعاً، لكن الحقيقة أن الجزء الأكبر من السياسة، لا يُرى بل يعيش معنا في تفاصيل يومية صغيرة، لدرجة أننا نتعامل معها وكأنها أمور طبيعية لا علاقة لها بالسلطة أو القرار.

فالسياسة الحقيقية ليست تلك التي تقبع دائماً في أروقة البرلمان والقصور الرئاسية، بل أحياناً في رغيف الخبز، وفي سعر الوقود، وفي عدد ساعات الكهرباء، وحتى في شكل الطريق الذي نسلكه كل صباح.

كثير من الناس يعتقدون أنهم بعيدين عن هذا العالم، وأنه يخص المسؤولين فقط، إلا أن الواقع يشير إلى أن أي قرار يؤثر على حياة الناس هو قرار سياسي بحت، حتى وإن كان في الظاهر شيء مختلف جداً! فعندما ترتفع الأسعار فجأة ويحترق السوق كما يصفه الناس، أو عندما تقل فرص العمل ويصبح الحصول على وارد مادي ضرب من الخيال، أو عندما تتحسن الخدمات في منطقة وتُهمل في أخرى، فهذه ليست مجرد أحداث عشوائية، إنما نتائج لسياسات وخيارات تم اتخاذها خلف (المكاتب المغلقة).

السياسة التي لا نراها، هي تلك التي تتحكم بإيقاع حياتنا دون أن ننتبه إليها، بل حتى دون أن نعتقد بأنها (سياسة).

وفي أحيان كثيرة، قد لا يشعر المواطن العادي بوجودها حين يشتري حاجاته اليومية، لكنه يشعر بنتائجها مباشرة، فالطالب الذي يدرس في مدرسة مزدحمة يعيش أثر سياسة تعليمية ضعيفة، والمريض الذي ينتظر ساعات طويلة في المستشفى يواجه نتائج قرارات صحية قديمة ونظام وظيفي متهرأ، والسياسة هنا لا تظهر كشعار أو خطاب، بل كواقع يعيشه الناس كل يوم وفي أدق تفاصيله.

اللافت في الأمر أن السياسة غير المرئية، غالباً تكون أقوى من السياسة الظاهرة، فالخطب الرنانة قد تُنسى بسرعة، أما القرارات التي تؤثر على مستوى المعيشة فتبقى عالقة في ذاكرة المجتمع لسنوات طويلة، ولهذا تسعى الحكومات دائماً إلى التحكم بالأمور التي تبدو بسيطة، لأنها تدرك أن التفاصيل الصغيرة هي التي تشكل رضا الناس أو غضبهم.

ويلعب الإعلام دوراً مهماً في هذه السياسة الخفية، فهو لا يخبر الناس فقط بما يحدث، بل يحدد لهم أحياناً ما الذي يجب أن يهتموا به وما الذي يمكن تجاهله، فبعض القضايا تُضخم حتى تصبح حديث الجميع، بينما تختفي قضايا أخرى رغم أهميتها ورغم تأثيرها البالغ، وهنا تظهر قوة التأثير غير المباشر، إذ يمكن توجيه الرأي العام دون إصدار أوامر واضحة، فقط عبر اختيار ما يُعرض وما يُتم إخفاؤه.

وفي زمن الإنترنت وسطوته الكبيرة، أصبحت السياسة التي لا نراها أكثر تعقيداً، فخوارزميات مواقع التواصل تحدد نوع الأخبار التي تصل إلى الناس، وتؤثر على آرائهم دون أن يشعروا، وأحياناً يعتقد الإنسان أنه كوّن رأيه بحرية كاملة، بينما تكون أفكاره قد تشكلت تدريجياً عبر محتوى متكرر وموجه بعناية.

ولهذا لم تعد السياسة مرتبطة بالمؤسسات الرسمية وحدها، بل دخلت إلى الهواتف والشاشات والمنصات الرقمية، ورغم كل ذلك، تبقى أخطر أنواع السياسة غير المرئية، هي تلك التي تجعل الناس يعتادون على أوضاع معينة حتى يفقدوا الرغبة في التغيير.

ومثال على هذا، عندما يصبح الفساد أمراً مألوفاً، أو تتحول الأزمات إلى جزء طبيعي من الحياة، فإن المشكلة لا تعود في الواقع نفسه فقط، بل في اعتياد المجتمع عليه، وهنا تنجح السياسة الخفية في تشكيل طريقة تفكير الناس، وليس فقط ظروف حياتهم.

في النهاية، فالسياسة التي لا نراها ليست مؤامرة غامضة كما يتخيل البعض، بل إنها شبكة واسعة من القرارات والتأثيرات التي تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، قد لا نلاحظ وجودها دائماً لكنها موجودة في كل شيء حولنا، من المدرسة إلى السوق، ومن الأخبار التي نسمعها، إلى الهاتف الذي نحمله بأيدينا.

وربما يكون الوعي بهذه السياسة هو الخطوة الأولى لفهم العالم بصورة أكثر وضوحاً، لأن ما يؤثر علينا حقاً ليس فقط ما نراه، بل ما يحدث خلف الستار.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى