مقالات

العراق الذي نريد

كتب د. عامر حسن فياض: نريد عراقاً يعرف حكامه ثقافة الاستقالة عند الفشل لا عراقاً تعشش في عقول حكامه ثقافة الاستطالة.. نريد عراقاً يفهم التاريخ ويتفهم الحاضر ويعشق المستقبل، وليس عراقاً يعيش التاريخ ويراوح في الحاضر ويكره المستقبل، عراقاً ينظر إلى تنوعاته من أبواب العراق الواسعة.

لا يمكن أن تؤكد لنا التجربة التاريخية الإنسانية في السياسة، قيام “دولة ديمقراطية” حقاً دون “دولة وطنية” حقاً، وفي سياق استكمال مواصفات العراق الصحيح الذي نريد، نقول إن العراق الصحيح هو عراق الدولة وليس عراق ما قبل الدولة، وعراق المصلحة الوطنية وليس عراق المحاصصة الجهوية، وعراق الديمقراطية المؤطرة بالاستقلال الوطني، وليس عراق الاستقلال المطعّم بالديمقراطية من جهة، وليس عراق الديمقراطية المطعّم بالسيادة.

إن الدولة قد تنشأ بلا ديمقراطية، بيد أن الديمقراطية لا يمكن أن تبقى وتستمر وتستدام بلا دولة وطنية، “دولة” هيبة وقوة متأتيتان من حكمها بالقانون المنبثق من سلطة تشريعية منتخبة، يدير مؤسساتها الدستورية رجال دولة لا رجال سياسة فقط.

إن العراق الصح الذي نريد، هو عراق الاتحاد الصاعد للوحدة وليس عراق الوحدة المعدومة الهابطة للاتحاد، وهو عراق مأسسة المناصب لا تنصيب الأشخاص.. عراق يخاف فيه الفاسد لا عراق يخاف من فاسد.. وعراق منخرط في قضايا العدالة والحرية لا عراق ينأى بنفسه عن قضايا العدالة والحرية لشعبه ولكل الشعوب.. نريد وطناً يستحضر الماضي للتذكير بحسناته ومغادرة سيئاته، لا عراق يسترجع الماضي ليعيش به ويعتاش منه.. نريد عراق أحياء يعملون من أجل مستقبل أحياء لا عراق أحياء يحكمهم أموات.. نريد عراق يعرف حكامه ثقافة الاستقالة عند الفشل لا عراق تعشش في عقول حكامه ثقافة الاستطالة.. نريد عراق يفهم التاريخ ويتفهم الحاضر ويعشق المستقبل، وليس عراق يعيش التاريخ ويراوح في الحاضر ويكره المستقبل، عراق ينظر إلى تنوعاته من أبواب العراق الواسعة، وليس عراقاً ينظر إليه من ثقوب تنوعاته الفئوية والمذهبية والعرقية والمناطقية الضيقة.

ما تقدم يذكرنا بقصة القمم غير المدببة.. ففي علم الجغرافية يعلم الجميع أن القمم مدببة، بيد أن مفردة القمم انصرفت للتعبير عن التفوق، أي الارتقاء إلى فوق وصولاً إلى الفرادة والتفرد كما أنها تعني التميز وليس التمييز.

وحتى لو كان الأمر كذلك، فإن القاعدة تشير إلى أن القمم مدببة أما الاستثناء فإنه يشير إلى ثلاث قمم تصبح شاذة إذا كانت مدببة، وهي قمة الوطنية وقمة الإيمان وقمة المعرفة.

فالوطنية قمة واسعة فسيحة تتسع لجميع من يسعى بحق للوصول إليها والتربع فيها، ولا يحق لواحد أن يدعي أنه الوطني الأوحد، كذلك الإيمان قمة واسعة فسيحة تتسع لمن يريد أن يكون مؤمناً ولا يحق لواحد أن يقول إنه المؤمن الأوحد الذي يمتلك قمة الإيمان دون غيره من المذاهب والأديان.. وكذلك المعرفة قمة واسعة فسيحة تتسع لجميع طلاب الوصول إليها ولا يحق لواحد يقول إنه الأعلم دون غيره.

وأخيراً العراق الصحيح الذي نريد هو عراق التوأمة بين الاستقلال الوطني والديمقراطية على مستوى التعامل مع الخارج، أي العراق المتطهر من أوساخ الوجود العسكري الأجنبي، على أن يتلازم تحقق هذا التطهر مع طلاق العراق الأبدي من المحاصصة المقيتة والفساد النتن في الداخل.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى