
كتب عبد الزهرة محمد الهنداوي: يشكّل هدر الغذاء والماء والكهرباء أحد أبرز التحديات التنموية التي تواجه العراق راهناً، ليس بوصفه سلوكاً فردياً فحسب، بل كمشكلة هيكلية تعكس خللاً في إدارة الموارد وضعفاً في الوعي والسياسات، وفي بلد يواجه ضغوطاً اقتصادية وبيئية متزايدة، فإن استمرار الهدر يعني تعميق أزمات الفقر وتراجع جودة الخدمات وتقويض فرص التنمية المستدامة.
ففي جانب الغذاء، تُهدر كميات كبيرة يومياً (وبدون وجع گلب)على مستوى المنازل والأسواق والمطاعم، إضافة إلى الفاقد في مراحل الإنتاج والنقل والتخزين، ويحتل العراق المركز الخامس أو السادس عالمياً والموقع الأول أو الثاني عربياً، بين الدول الأكثر هدراً للطعام، إذ تبلغ حصة الفرد من الطعام المهدور إلى 120 كغم، فيما تُقدّر الكمية المهدورة سنوياً بحوالي 5 ملايين طن!.
هذا الهدر يتناقض بشكل حاد مع واقع تعاني فيه شرائح اجتماعية من هشاشة الأمن الغذائي، كما أنه يكشف ضعف ثقافة الاستهلاك الرشيد وغياب أنظمة فاعلة لإدارة الفائض الغذائي.
ولذلك فإن هدر الغذاء لا يعني خسارة الطعام فقط، بل خسارة الموارد التي أُنفقت لإنتاجه من مياه وطاقة وجهد بشري.
أما المياه، فتُمثّل اليوم التحدي الأخطر في ظل التغيرات المناخية، وانحباس الأمطار وتراجع الإطلاقات المائية من الجارة تركيا، وعلى الرغم من ذلك، ما زال الهدر المائي مخيفاً نتيجة الاعتماد على أساليب ري تقليدية وتسرب الشبكات وسوء الاستخدام المنزلي- وهذه الأخيرة أضع تحتها حمولة صهريج من الخطوط الحمر- لذلك فنحن اليوم نقف إزاء استنزاف مورد حيوي ينعكس مباشرة على الزراعة والأمن الغذائي والاستقرار المجتمعي، في وقت بات فيه ترشيد المياه شرطاً أساسياً لأي سياسة تنموية ناجحة.
أما الهدر في الكهرباء، فتلك حكاية أخرى، إذ يظهر الهدر في الاستهلاك غير المنظم، والربط العشوائي، وضعف كفاءة منظومات الإنتاج والنقل والتوزيع، حتى يقال إن نسبة التيار المهدور تبلغ حوالي 50 بالمئة من الطاقة المُنتجة! وتتكبد الدولة بسبب ذلك خسائر مالية كبيرة، تزيد من أعباء الموازنة، وتؤثر في قدرة الحكومة على تحسين الخدمة وتوسيعها، برغم الإنفاق الهائل على هذا القطاع.
إن معالجة هدر الغذاء والماء والكهرباء في العراق، تتطلب مقاربة شاملة تبدأ من تعزيز الوعي المجتمعي، وتمر عبر إصلاح السياسات والتشريعات، وتصل إلى توظيف التكنولوجيا الحديثة في الإدارة والرقابة، والجباية، وهنا يبرز دور الإعلام والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، في تقديم حلول مبتكرة ودعم ثقافة الكفاءة والمسؤولية.
وفي المحصلة، فإن تقليل الهدر لم يعد ترفاً أو خياراً مؤجلاً، بل ضرورة قصوى تمسّ الأمن الغذائي والمائي والطاقوي، وتمثل خطوة أساسية في طريق التنمية المستدامة، وحماية حقوق الأجيال الحالية والقادمة في موارد عادلة وآمنة.



