مقالات
أخر الأخبار

عراقجي في أوروبا .. دبلوماسيَّة حذرةٌ في ظل التوترات النوويَّة والإقليميَّة

كتب محمد صالح صدقيان.. تشكل جولة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الأوروبية، التي شملت هولندا وفرنسا الاسبوع الماضي نقطة تحول محتملة في العلاقات الإيرانية – الأوروبية وسط تصاعد التوترات النووية والإقليمية؛ في سياق عودة العقوبات الأممية عبر آلية “سناب باك” في سبتمبر الماضي.

ومع تزايد الضغوط الأميركية والإسرائيلية، يمكن قراءة هذه الزيارة كمحاولة إيرانية لإعادة رسم خطوط الحوار مع أوروبا كبديل عن الاعتماد الكلي على الشرق.

الزيارة لم تأت بناء علی رغبة ايرانية وانما جاءت استنادا علی دعوة فرنسية لتصحيح مسار العلاقات بعد الجهود، التي بذلتها الترويكا الاوروبية لتفعيل آلية “سناب باك” واستصدار قرار من مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية للطلب من ايران التعاون بشكل أكبر مع هذه الوكالة.

طهران من جانبها تعمدت انتهاج استراتيجية عدم غلق اي نافذة يمكن لها ان تخدم مصالحها واستغلال المنصات الدولية لتعزيز موقفها الأخلاقي والسياسي، مع التركيز على قضايا تاريخية وإنسانية لتخفيف الضغط النووي. هذا النهج ليس مجرد رد فعل دفاعي، بل يعكس تحولًا في الدبلوماسية الإيرانية نحو “الدبلوماسية المتعددة الأبعاد”، حيث تجمع بين الضغط والحوار للحفاظ على مصالحها في ظل عزلة اقتصادية متزايدة.

في هولندا، حيث حضر عراقجي الدورة الثلاثين لمؤتمر الدول الموقعة في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية «OPCW» في لاهاي، يبرز التركيز على القضايا الكيميائية كأداة استراتيجية. من خلال تسليط الضوء على الهجمات الكيميائية التي تعرضت لها إيران خلال الحرب مع العراق “1980- 1988”، خاصة في سردشت، يسعى عراقجي إلى رسم صورة إيران كضحية تاريخية، مما يعزز من شرعيتها في مواجهة الاتهامات النووية الحالية .

هذا الاستحضار ليس عفويًا؛ إذ يأتي في وقت تتهم فيه طهران إسرائيل بعدم الالتزام بالمعاهدات الدولية، مستخدمة OPCW كمنصة للضغط على أوروبا لتحمل مسؤولياتها التاريخية.

في باريس، حيث التقى عراقجي بنظيره جان نويل بارو يوم 26 نوفمبر، يتجلى التركيز على الملف النووي كعنصر مركزي في الدبلوماسية الإيرانية. فرنسا كقوة نووية رئيسية وشريك سابق في الاتفاق النووي الموقع عام 2015، تمثل جسرًا محتملًا لإعادة إحياء الاتفاق النووي، الذي انهار بعد انسحاب أميركا عام 2018. ويعكس هذا اللقاء محاولة إيران لفصل المسار الأوروبي عن الأميركي، مستغلة الخلافات داخل الاتحاد الأوروبي حول كيفية التعامل مع طهران .

مع تزايد التقارير عن تقدم إيران في تخصيب اليورانيوم، يسعى عراقجي إلى تقديم صورة مطمئنة لبرنامج بلاده النووي، مقابل رفع العقوبات، مما يشير إلى استراتيجية “المرونة الاستراتيجية”، التي تسمح باستئناف التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية دون التنازل عن السيادة .بالإضافة إلى النووي، تبرز القضايا الإنسانية كورقة تفاوضية. مناقشة مصير الطالبة الإيرانية مهدية اسفندياري، التي أفرجت عنها فرنسا بعد اعتقالها بسبب منشورات معادية لإسرائيل، وكذلك حالة مواطنين فرنسيين محاصرين في طهران، تشير إلى إمكانية صفقة تبادل أسرى .فرنسا، بدورها، تسعى للعب دور الوسيط ، في الوقت الذي تعيش ضغوط متزايدة من قبل واشنطن وموسكو علی خلفية المسألة الاوكرانية، التي تجاوزت الاوروبيين في خطة السلام التي تُعقد لحل المسألة الاوكرانية بين الرئيسين الاميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين. وليس من الواضح هل تريد باريس أن تلعب في الوقت الضائع بالورقة الاميركية خاصة مع اقتراب الانتخابات الأميركية التي قد تغير المعادلة .

على المستوى الأوسع، تمثل جولة عراقجي محاولة لإعادة توازن القوى في الشرق الأوسط، حيث تواجه إيران تحديات اقتصادية جراء العقوبات، مع تزايد الاعتماد على روسيا والصين؛ في حين تری أوروبا في إيران شريكًا محتملًا للاستقرار الإقليمي، خاصة في مكافحة الإرهاب والسيطرة على الهجرة، لكن الخلافات حول حقوق الانسان والنووي تعيق التقدم في هذه العلاقات .

ويسود الاعتقاد أن زيارة عراقجي اذا نجحت في ابرام اتفاقات جزئية، مثل تسهيل التعاون النووي أو تبادل المعتقلين؛ فقد تفتح أبوابًا لإحياء الاتفاق النووي الذي ترغب الدول الاوروبية ان تكون لاعبا في المفاوضات الاميركية الايرانية المحتملة، مما يخفف من التوترات مع الكيان الاسرائيلي ويمنع تصعيدًا عسكريًا. ومع ذلك، فان هذا المسار يواجه تحديات كبيرة كالضغوط الاسرائيلية التي تری في البرنامج النووي الإيراني تهديدًا وجوديًا، قد يدفع تل أبيب إلى عمليات سرية، كما حدث في الهجمات السابقة على منشآت نطنز وفوردو. كما أن السياق الإقليمي، مع النزاعات في سوريا ولبنان، يجعل أوروبا حذرة من الاقتراب الزائد من طهران، خوفًا من فقدان التحالف مع واشنطن.

في هذا الإطار، يمكن اعتبار الزيارة اختبارًا لفعالية الدبلوماسية الإيرانية في ظل إدارة الرئيس بزشكيان، التي وعدت بـ”التفاعل البناء” مع العالم. إذا فشلت، قد تؤدي إلى تعزيز العزلة، ما يدفع إيران نحو تحالفات أكثر صلابة مع موسكو وبكين، وهو سيناريو يعتقد فيه الغرب انه يهدد التوازن العالمي.وفي هذه الاثناء تؤكد المصادر الدبلوماسية ان طهران وواشنطن تبادلت الرسائل مؤخرا بشان امكانية استئناف المفاوضات “وان التويت الذي كتبه امين مجلس الامن القومي الايراني علي لاريجاني باللغة الانكليزية الاربعاء الماضي يمثل جواب لمقترحات استلمها لاستئناف المفاوضات. لاريجاني قال ان ايران مستعدة للدخول في مفاوضات جادة ولا تقبل مفاوضات صورية تكون نتائجها محددة سلفا حسب مقاسات الطرف الآخر، مشيرا الی “ان الاميركيين يحاولون تصوير انفسهم كمحور كل تغيير عالمي لكن هذا نوع من خداع الذات”.هذه المصادر تعتقد أن المرحلة المقبلة قد تشهد تطورات بهذا الشأن، لكنها حذرت من السلوك الاسرائيلي الذي يريد الاجهاز علی اي جهود للمصالحة من خلال التأزيم والتوتر الذي يلجأ له في المنطقة

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى