
كتبت نرمين المفتي.. لم تكن حادثة التحرش الجماعي في البصرة مجرد “تجاوز أخلاقي” عابر، ولا واقعة يمكن احتواؤها ببيان أمني أو باعتقالات سريعة أو بتصريح مسؤول يقول بأن ما حدث “حالة فردية”، علما أن المسوخ الهمجية التي أظهرتهم الصور كانوا بالعشرات.
ولا بد من القول إنها ليست الوحيدة، فقد قرأنا على مواقع التواصل الاجتماعي منشورات تؤكد حدوث مثلها في محافظات أخرى ولا ننسى حادثة السليمانية وفي المناسبة نفسها، ليلة رأس السنة في 2023 وايضاً تم اعتقال العشرات من المتهمين تماما كما تم اعتقال مثلهم في البصرة.
إن انحدار القيم في المجتمع العراقي لا يمكن فصله عن تاريخ طويل من الاضطرابات والحروب والتحولات السياسية والاقتصادية العميقة التي أثّرت في بنية الدولة والمجتمع معًا. فترات عدم الاستقرار وتراجع الخدمات وضعف الثقة بالمؤسسات، كلها عوامل أسهمت في إضعاف الشعور العام بالقانون وبحدود السلوك المقبول، سواء قبل 2003 أو بعدها. كما أن انتشار الفساد المالي والإداري، بوصفه تحديا مزمنا تعترف به الدولة نفسها، ترك أثره غير المباشر على المنظومة القيمية. فالفساد لا يقتصر على خسائر مادية، بل يؤدي مع الوقت إلى تآكل الثقة، وإضعاف هيبة القانون، وتشويش الحدود بين الصواب والخطأ. وحين يغيب المثال الإيجابي في المجال العام، تصبح القيم عرضة للاهتزاز، خاصة لدى الأجيال الشابة.من هنا، فإن ما نواجهه ليس حالات فردية معزولة، بل نتاج بيئة اجتماعية تحتاج إلى إعادة ترميم، تعليم أكثر فاعلية، خطاب إعلامي مسؤول، دور تربوي وديني يركز على الكرامة الإنسانية، والأهم حضور مؤسسي يشعر المواطن بأن الفضاء العام محمي، وأن الانتهاك ليس سلوكا عابرا بلا تبعات وعقوبات صارمة.
لكن القيم، مهما كانت راسخة، لا يمكن أن تصمد وحدها من دون سند قانوني واضح. فالمجتمع يحتاج إلى قانون يسمي الأفعال بأسمائها، ويضع حدودا لا لبس فيها بين المباح والمجرَّم. ومن هذه الزاوية، يصبح النقاش قانونيا بقدر ما هو اجتماعي.
فقانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 يتضمن مواد مهمة لمعاقبة الاعتداءات الجنسية الجسيمة، أبرزها المادة 396 الخاصة بالاغتصاب، إضافة إلى المادتين 403 و404 المتعلقتين بهتك العرض والفعل الفاضح والإخلال العلني بالحياء. غير أن هذه المواد، رغم أهميتها، لا تتضمن تعريفا صريحا للتحرش الجنسي بوصفه جريمة مستقلة، ويترك هذا السلوك ضمن توصيفات عامة قد لا تعكس طبيعته ولا أثره النفسي والاجتماعي الحقيقي. وبسبب هذا الغياب، يصبح التدخل القانوني أقل فاعلية في المراحل المبكرة من الانتهاك، حيث يكون الردع ممكنا والوقاية أكثر جدوى.
كما أن الغموض القانوني ينعكس ثقافيا، فيميل الخطاب العام أحيانا إلى محاكمة الضحية بدل التركيز على الفعل نفسه، وكأن الفضاء العام ليس حقا متساويا للجميع. وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية المشرع بوصفها حلقة أساسية لا يمكن تجاوزها. فحادثة البصرة، وما سبقها من وقائع مشابهة، تؤكد الحاجة الملحة إلى تشريع قانون واضح وصريح يجرّم التحرش الجنسي ويعرفه بدقة ويضع له عقوبات رادعة. وهو مطلب لا ينشأ من ضغط اجتماعي آني، بل من استحقاق دستوري يوجب على الدولة حماية الكرامة الإنسانية وضمان الأمن الشخصي لجميع المواطنين. فالدستور العراقي يؤكد صون كرامة الإنسان وحماية الحرية الشخصية ومنع الإيذاء، وهذه المبادئ لا تكتمل من دون تشريعات تفصيلية تترجمها إلى حماية فعلية. ومن المؤمل أن لا يلقى هذا التشريع المصير نفسه الذي لقيه قانون العنف الأسري، الذي ظل مؤجلا من دورة برلمانية إلى أخرى رغم الحاجة المجتمعية الواضحة إليه.
إن سن قانون يعرف التحرش ويعاقب عليه لا يتعارض مع القيم الاجتماعية، ولا مع الأعراف، ولا مع مبادئ الشريعة الإسلامية، بل ينسجم معها في جوهرها. فحماية الكرامة وصون الجسد ومنع الأذى مبادئ أخلاقية ودينية قبل أن تكون التزاما قانونيا.
حادثة البصرة، بهذا المعنى، ليست مناسبة للإدانة فقط، بل فرصة لمراجعة جادة تعيد الاعتبار لهيبة القانون، وتؤكد أن حماية الكرامة الإنسانية مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وأن الفضاء العام يجب أن يكون آمنا للجميع دون استثناء.



