
كتب عادل الجبوري.. قد لا يخطئ من يرى أن الولايات المتحدة الأميركية تعيش حالياً واحدة من أكثر مراحلها ارتباكاً وفوضى واضطراباً، رغم أن رئيسها السابع والأربعين، دونالد ترامب، يحاول جاهداً تصويرها على أنها هي التي تقود العالم نحو الأمن والسلام والازدهار، من خلال محاربة الأنظمة الديكتاتورية الاستبدادية، والعمل على إسقاطها، والتحكم بمواردها وثرواتها، وكذلك الاتجاه نحو فرض الهيمنة والنفوذ على هذه الدولة أو تلك بواسطة الأدوات والوسائل العسكرية.
ولعل الطريقة التي تم فيها اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، قبل أسابيع قلائل، واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته تحت ذريعة تهريب المخدرات وتهديد الأمن القومي الأميركي، تمثل أنموذجاً أو مثالاً بسيطاً وواضحاً لعنجهية وتهور ترامب، وغياب الرؤية الاستراتيجية العقلانية لديه، بصرف النظر عما إذا كانت التهم الموجهة لمادورو صحيحة أم غير صحيحة، وبصرف النظر عن أي شيء آخر.
توقع الكثيرون أن الولاية الرئاسية الثانية لترامب، التي لم تأتِ مباشرة بعد الولاية الرئاسية الأولى (2016-2020)، سوف تكون مختلفة، وستختفي منها مظاهر التهريج والاستعراض والشعبوية، بيد أن الأمور اتجهت نحو الأسوأ، بعد أن باتت العنجهية والبلطجة والابتزاز هي السمات الأبرز في السياسة الخارجية الأميركية.
فترامب لم يكتفِ باعتقال مادورو، والعمل على احتواء تداعيات ذلك الاعتقال المشين، بل راح يلوّح لزعماء آخرين قريبين منه، في المكسيك وكولومبيا وكوبا، بغزو بلدانهم واقتيادهم إلى السجون كما فعل مع الرئيس الفنزويلي، ناهيك عن التصريح المباشر بنيته احتلال جزيرة غرينلاند الأوروبية، وتدخله الصارخ في إيران، وإعلانه السعي للإطاحة بالنظام هناك، إلى جانب فرض الرسوم الجمركية العالية على هذا البلد وذاك، والتبجح علناً وبلا أدنى خجل أو تردد بسعيه المحموم للاستحواذ على موارد وثروات الآخرين.
لم ينجح ترامب، الذي لا يكف عن الادعاء بأنه صانع السلام العالمي، في حل أي أزمة أو معالجة أي مشكلة بصورة حقيقية وجذرية، إن لم يزد الطين بلّة، ويعقد الأمور ويخلط الأوراق بدرجة أكبر وأسوأ.
وبسبب سياسات ترامب المتهورة، ونزعاته الأنانية التسلطية، بات العالم اليوم يعيش أوضاعاً مرتبكة وقلقة للغاية، فلا الحروب توقفت، ولا الخصوم تصالحوا، ولا أصوات السلاح صمتت، ولا جلس الفرقاء على طاولات الحوار بدلاً من الوقوف في ميادين الصراع.
وتزداد الأمور سوءاً حينما يحوّل ترامب الشعبوي الأصدقاء والحلفاء إلى خصوم وأعداء، وخير دليل وبرهان على ذلك ردود الأفعال الغاضبة من أغلب أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حيال توجهاته ونواياه الاستفزازية العدوانية للاستحواذ على جزيرة غرينلاند الدنماركية.
فهذا نائب المستشار الألماني «لارس كلينغباي» يحذر من «أن العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية بصدد التفكك، وأن أوروبا تمر اليوم بمرحلة تُثار فيها تساؤلات حول ثوابتها، في ظل التوترات الجيوسياسية غير الطبيعية التي أثارها مؤخراً الرئيس دونالد ترامب»، ويؤكد كلينغباي «أن التحالف عبر الأطلسي يشهد تحولاً أعمق بكثير مما كنا نرغب في الاعتراف به حتى الآن»، واصفاً التدخل العسكري الأميركي في فنزويلا بأنه “أوضح انتهاك علني للقانون الدولي، وينبغي أن يُقرع لنا جرس الإنذار”.
وليس نائب المستشار الألماني هو الوحيد الذي حذر من مخاطر وتبعات سياسات ترامب، بل إن ساسة غربيين آخرين ذهبوا في الاتجاه نفسه.
وأكثر من ذلك، فإنه في داخل الولايات المتحدة علت أصوات الاعتراض والانتقاد والتحذير مما يقوم به ترامب من حماقات واستعراضات خطيرة.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، يقول السيناتور الديمقراطي «روبن غاليغو» في تدوينة على منصة التواصل الاجتماعي «إكس»: «من المخزي أننا تحوّلنا في أقل من عام من شرطي العالم إلى متنمّر العالم».
بينما يصرح زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي «تشاك شومر» قائلاً: “إن شنّ عملية عسكرية دون موافقة الكونغرس الأميركي يُعد تصرفاً طائشاً، لأن ذلك قد يجر البلاد إلى حرب”.
وحتى أصحاب الاتجاهات اليمينية المتطرفة والشعبوية في أوروبا وغيرها، ممن تفاءلوا بعودة ترامب إلى البيت الأبيض، راحوا يحذرون بجدية مما يجري، ويرون أن الأمور في المشهد العالمي العام تتجه إلى مزيد من الصدام والفوضى والاضطراب، الذي ربما تكون الولايات المتحدة وحلفاؤها القريبون أكثر المتضررين منه.
وكما قيل سابقاً، إن وجود ترامب الشعبوي المتهور، الباحث عن الاستعراضات والأضواء بأي ثمن، يثير الكثير من المخاوف والهواجس حول توجهاته ومسارات سياساته الخارجية بالدرجة الأساس، لا سيما في خضم أزمات شائكة ومعقدة على الصعيدين الإقليمي والعالمي، كالحرب الطاحنة التي جرت في قطاع غزة بين الفلسطينيين والصهاينة، ومتغيرات الأوضاع في سوريا وتعقيداتها العويصة، والحرب الروسية– الأوكرانية وتداعياتها السلبية على أوروبا خصوصاً والعالم على وجه العموم، ناهيك عن الصراع والتنافس الاقتصادي المحتدم بين الولايات المتحدة الأميركية والصين، دون أن نتجاهل أو نقفز على الملف الإيراني، ومعه مشاريع التطبيع بين إسرائيل والعالم العربي، التي تعثرت إلى حد كبير جراء اندلاع حرب غزة في السابع من تشرين الأول– أكتوبر 2023.
وفوق كل ذلك، يواجه ترامب بسبب سياساته وقراراته المتهورة والانفعالية تحديات داخلية كبيرة جداً، تترجمها التظاهرات والاحتجاجات الشعبية الواسعة التي عمّت ولايات ومدناً أميركية مختلفة في الآونة الأخيرة، تخللتها صدامات دموية مع أجهزة الأمن والشرطة، وخلفت عشرات القتلى ومئات الجرحى، وذلك في الوقت الذي ينشغل فيه ترامب كثيراً بالتظاهرات والاحتجاجات في إيران، بينما يغلق عينيه ويصم أذنيه عما يجري من حوله.
ولا نبالغ إذا قلنا إنه من غير المستبعد أن يشهد العامان المتبقيان من ولاية ترامب الرئاسية الثانية أحداثاً ووقائع كبرى يمكن أن تُحدث هزات وزلازل سياسية وأمنية ومجتمعية ووجودية عميقة في الولايات المتحدة الأميركية، تفقدها زعامتها العالمية ومحوريتها وتأثيرها، إن لم يكن ذلك عاجلاً، لا سيما مع صعود قوى عالمية أخرى كالصين، وتبدل أدوات القوة، وتغير موازينها ومعادلاتها وحقائقها.



