مقالات
أخر الأخبار

القطيعة المعرفية

كتب علاء جواد كاظم: عندما يسأل طالب تطبيق (ChatGPT) عن موضوع معقد فيجيبه في بضع ثوانٍ، وطبيب يستعين بالنظام الذكي لتشخيص حالة مرضية، إذن أنت لا تستخدم مجرد آلة تقنية متطورة، بل تدخل في شراكة مع عقل ممتد خارج دماغك.

فهل نعيش مجرد ثورة تقنية، أم نحن في مرحلة انقلاب في مفهوم المعرفة ذاتها؟، هذا السؤال يمس عمق معنى التفكير والتعليم وتشكيل المعرفة.

قبل أكثر من ثلاثة عقود، كان الباحث يذهب إلى المكتبة باحثاً عن المعلومة والمعرفة، لكن اليوم فهو يسأل نظاماً ذكياً قادراً على إنتاج مقاطع كتابية وأفكار خلال ثوانٍ.

وبين الماضي والحاضر، لم تتغير وسائل الحصول على المعرفة فقط، بل تغيرت طبيعة المعرفة ذاتها، إذن يشير مفهوم “القطيعة المعرفية” إلى تحول نوعي يجعل بعض المسلمات والسياقات القديمة غير قادرة على تفسير واقع العالم المعاصر، بمعنى أن مصادر الحصول على المعرفة وفهمها غير قادرة على تحليل وتفسير سلوكيات البشر.

وإذا كان باشلار قد استثمر مفهوم القطيعة المعرفية لتمثيل التحولات الكبرى في تاريخ العلم، فإن السؤال الآن هو: هل تقود أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى انقلاب مشابه في وسائل بناء المعرفة؟ العصر الحالي الذي نعيشه عصر أنظمة الذكاء الاصطناعي، وخصوصاً هناك تطوير لنموذج ذكاء اصطناعي عام، وآخر ذكاء اصطناعي فائق السرعة، فالبشرية حتماً قد تكون أمام تحول في بنية إنتاج المعرفة، لا مجرد تحديث للبيانات والمعلومات السابقة.

الجدل المتزايد حول هل نحن أمام قطيعة معرفية وتحول معرفي، أم أننا مجرد أمام تطور تكنولوجي؟ نجد أن الانتقال من الاستهلاك المعرفي إلى الإنتاج المعرفي، حيث كانت المعرفة تُبنى وتنتج في أماكن مخصصة كالمدرسة والجامعة والكتب ومراكز الأبحاث، وكان دور المتعلم ينحصر في نمط الاستهلاك المعرفي التراكمي.

أما في الوقت الراهن، وبقوة تقنيات أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، فقد تغير هذا الإنسان إلى منتج للمعرفة بطريقة جديدة نتيجة للتعاون المشترك مع الشبكات العصبية الرقمية، مما أدخلنا في عصر مشترك للإنتاج المعرفي.

وهذا العصر المشترك للإنتاج يكشف لنا سؤالاً آخر أكثر أهمية: هل تفكر عقولنا خارج جمجمتنا؟ فإذا كانت بنية التفكير قد تغيرت، فإن ذلك يذهب بنا إلى التساؤل عن أثر هذا التحول في التعليم والبيئة الرقمية.

إن أدوات الذكاء الاصطناعي قد تعمل كعقل ممتد، وهنا يظهر بوضوح أن القطيعة المعرفية تتجسد في كيفية تعريف مفهوم العقل والتفكير.

يرى جمهور نظرية العقل الممتد أن بعض العمليات المعرفية قد تمتد إلى الأدوات الخارجية، والحجة على هذا الادعاء أن خوارزميات الأنظمة الذكية لم تعد مجرد أدوات مساعدة للتذكر كالورقة والحاسوب، بل أصبحت شريكاً فكرياً ممتداً خارج أدمغتنا، تساهم في كتابة الأفكار والفرضيات والاختبارات، مما يجعل الذكاء المعاصر لا يقاس بالحفظ والاسترجاع، بل بالقدرة على طرح الأسئلة الصحيحة، والتحقق منها أكثر أهمية ودقة في الكتابة المنتجة.

قد يكون هناك تغيير في مفهوم الذكاء نفسه، لأنه لم يعد الذكاء يشير إلى ما يعرفه الإنسان، بل كيف يتحقق، ويتعاون مع النظام الذكي لإنتاج معرفة أصيلة، وهذا بدوره قد أظهر مفهوم الوكالة المعرفية المشتركة، والدليل أن الإنسان لم يعد فاعلاً معرفياً مستقلاً كفرد، بل أصبح يعمل وينتج ضمن منظومة تتضمن كلاً من الإنسان والذكاء الاصطناعي والفضاء الرقمي.

ففي البيئة الرقمية، أصبحت سرعة الانتشار تؤثر أحياناً على تداول المعرفة أكثر من جودتها، وفي عصر التحول الرقمي قد تتلاشى الفواصل بين التخصصات، وربما تظهر إشكالية معرفية تتجسد في تسطيح الوعي الثقافي وضياع الهوية المعرفية نتيجة اتساع وسرعة عمل الخوارزميات ووسائل التواصل الاجتماعي، لأنها تشكل مفهوم “غرف الصدى”، لأن الخوارزميات تغذي تحيزاتنا السابقة بدل أن تعطينا معرفة حقيقية.

فالمعرفة لا بد أن تقاس بدقتها وعمقها لا بنمط الانتشار والسرعة، ولا بد من هجر أسلوب “التعليم الميكانيكي” والتحول إلى نمط التعليم النقدي التفاعلي، فإذا تفحصنا بشكل دقيق في الفلسفة التربوية، نجد قطيعة واضحة مع التعليم الميكانيكي، الذي انتقده كانط في كتابه «في التربية» بوصفه تعليماً قائماً على الحفظ والتلقين الصارم، لتحويل الفرد إلى مجرد آلة.

فالتحول المعرفي الآن يجبرنا على العودة إلى التساؤل المستمر، والتفكير النقدي، والتحرر المعرفي، مما يؤكد أن الآلة أصبحت تقوم بالجانب الميكانيكي، والنقد والإبداع والتوليف المعرفي جوانب حيوية تبقى مرتبطة بالإنسان وحده.

قد تكون أزمة المناهج الدراسية دليلاً ملموساً في الوقت الراهن، حيث نجد المنهج التعليمي في المدارس والجامعات غير قادر على مواكبة سرعة السيل المعرفي، والمعرفة تزداد بشكل كبير في أوقات زمنية قد تقاس بالأيام لا بالسنين.

فبعض الأدلة العلمية الحديثة تكشف أن الدماغ الإنساني يعيد بناء شبكاته العصبية بالاعتماد على التفاعل النشط مع البيئة الرقمية، وهذا يعني أن جيل الألفية في مجال الأتمتة المعرفية يفكر بطريقة بنيوية مختلفة عن الأجيال الماضية.

وبين ديمقراطية المعرفة وفوضى المعرفة تظهر لنا فكرة انتهاء الكاتب والمصدر الأوحد، بسبب أن المعرفة أصبحت في متناول الجميع، لكن سهولة الحصول عليها لا تعني بالضرورة معرفة حقيقية أصيلة.

فالأدلة العلمية تشير إلى أن الثورات العلمية تقود إلى تغيير في الأطر والنماذج المعرفية، فهناك من يرى أن ما نلاحظه ليس أكثر من امتداد طبيعي لطفرة تقنية، وأن الذكاء الاصطناعي لا يختلف جوهرياً عن الحاسوب والإنترنت.

في حين يعتقد آخرون أن الأمر أكبر من مجرد تطور رقمي، لأن الأنظمة الذكية لا تخزن المعرفة فقط، بل تشارك في بنائها وإعادة تشكيل طريقة التفكير والتعلم، لكن يبقى السؤال الأهم معلقاً: هل هذه القطيعة كاملة؟ ربما لا، لأن الإنسان ما زال يركز على الإدراك والفهم والعقل والخبرة الشخصية والتفكير النقدي والوعي بالعالم المحيط به.

ومع هذا كله، ما يحدث هو أن المعرفة لم تعد تُبنى وتتشكل داخل جمجمة الإنسان وحده، بل أصبحت تُبنى وتنتج نتيجة تفاعل الإنسان مع الأدوات الذكية الخارجية.

وختاماً، ربما يكون من المبكر الكلام على وجود قطيعة معرفية كاملة، لكن من المؤكد أننا نعيش في عصر انقلاب عميق في وسائل بناء المعرفة، وقد تصبح هذه التحولات بداية إعادة تعريف معنى العقل والتعلم والذكاء في عصر الخوارزميات الرقمية.

وبين هذا التفاؤل والمخاوف، يبدو أننا دخلنا عصراً جديداً يعيد طرح أسئلة حول: كيفية التفكير والتحقق والتعاون مع الوسائل الذكية لإنتاج معرفة أكثر عمقاً وإنسانية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى