مقالات
أخر الأخبار

السياسة في زمن الذكاء الاصطناعي

كتب محمد علي الحيدري: لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية مساندة في إدارة الشأن العام، بل بات عنصراً فاعلاً يعيد تشكيل المشهد السياسي على مستوى البنية والوظيفة والتأثير.

ففي هذا الزمن المتسارع، تنتقل السياسة تدريجياً من فضاء الخطاب التقليدي إلى فضاء الخوارزميات، حيث تصاغ القرارات، وتدار الاتجاهات، ويعاد تعريف مفهوم النفوذ.

يبدو المشهد السياسي في عصر الذكاء الاصطناعي أكثر تعقيداً وأقل قابلية للتنبؤ، فقد أصبحت البيانات الضخمة والتحليل التنبؤي أدوات مركزية في فهم السلوك الاجتماعي وتوجيه الرأي العام، الأمر الذي منح الفاعلين السياسيين قدرة غير مسبوقة على استباق المزاج الشعبي والتأثير فيه بدقة عالية.

وبهذا، لم تعد الحملات السياسية تُخاطب الجمهور بوصفه كتلة واحدة، بل تُجزّأ الرسائل وفق خرائط نفسية واجتماعية تُنتجها الخوارزميات.

هذا التحول ألقى بظلاله الثقيلة على مفهوم الرأي العام ذاته، فالذكاء الاصطناعي لا يكتفي بقياس الاتجاهات، بل يشارك في صناعتها، ما يفتح الباب أمام واقع سياسي مجزأ، تتعايش فيه سرديات متعددة للقضية الواحدة، ويغيب فيه الإجماع الوطني لصالح استقطاب مُدار رقمياً.

ومع صعود تقنيات التزييف العميق، تتآكل الثقة بالحقيقة، وتزداد هشاشة المجال العام، لتتحول المعركة السياسية إلى معركة على الوعي والمعلومة بقدر ما هي على البرامج والسياسات.

في المقابل، يعيد هذا الواقع ترتيب موازين القوة داخل الدولة وخارجها، إذ لم تعد المؤسسات السياسية التقليدية اللاعب الوحيد في صياغة القرار، بل برزت إلى جانبها شركات التكنولوجيا العملاقة ومنصات التواصل ومطورو الخوارزميات، بوصفهم فاعلين مؤثرين يمتلكون مفاتيح الوصول إلى العقول قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع، وهنا تتداخل السياسة بالتقنية، وتُطرح أسئلة سيادية وأخلاقية حول من يملك البيانات، ومن يضع قواعد استخدامها، ومن يحاسب من؟.

وعلى المستوى الدولي، يتحول الذكاء الاصطناعي إلى ساحة تنافس استراتيجي، حيث تسعى الدول إلى امتلاك التفوق التكنولوجي بوصفه رافعة جديدة للقوة والنفوذ، وسيكون مصير الدول مرهوناً بقدرتها على استيعاب هذا التحول، إما فاعلاً منتجاً للتكنولوجيا، أو تابعاً مستهلكاً لها، بما يحمله ذلك من تبعات سياسية واقتصادية وأمنية.

خلاصة القول، إن السياسة في زمن الذكاء الاصطناعي لا تشهد نهاية دورها، بل تشهد إعادة تعريف عميقة لأدواتها وحدودها، فالتحدي لم يعد في امتلاك التكنولوجيا فحسب، بل في إخضاعها لإطار أخلاقي وتشريعي يحمي المجال العام من التلاعب، ويصون القرار السياسي من الارتهان للخوارزميات.

وفي هذا المشهد الجديد، تتجسد السلطة بأشكال غير مرئية، تُدار بالبيانات، وتُمارس عبر الشاشات، وتُختبر يومياً بمدى قدرة السياسة على مواكبة زمن يتقدّم أسرع من قوانينه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى