مقالات
أخر الأخبار

السكن والسكينة… بين الطمأنينة الإلهية والاستقرار الإنساني العام

كتب سماحة السيد رسول الياسري:

خطاب المرجعية الدينية الرشيدة والتحولات الكبرى

[الحلقة الثامنة (ب)] السكن والسكينة… بين الطمأنينة الإلهية والاستقرار الإنساني العام

أيها الأحبة الكرام، إن الإنسان العاقل لا يبحث فقط عن مكان يأويه، بل يبحث عن حالة السكينة التي تتحدث عنها الآيات القرآنية، والأحاديث، والروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)، والتي أشارت لها المرجعية الدينية الرشيدة في خطابها المبارك.

فقد يتاح للإنسان أن يسكن القصور ولا يجد السكينة، وقد يعيش في بيت بسيط، وتغمر قلبه الطمأنينة والاستقرار، ولا أريد الإطالة في الأمثلة هنا، وأكتفي بهذا المثال المتقدم.

ومن هنا جاء القرآن ليفرق بدقة بين:

البيت: وهو ما يبيت فيه الإنسان.

والسكينة: وهي طمأنينة الروح والعقل والقلب.

وقد تحدث لنا الباري عز وجل في القرآن الكريم عن مفهوم السكن والسكينة، بعد أن فهمنا أن البيت هو مكان المبيت بغض النظر عن التفاصيل الأخرى.

فأما السكن، حتى في نظر اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، فهو: الاستقرار والثبات بعد حركة.

وقد وصف القرآن الكريم الزمان والمكان والبيئة الاجتماعية بالسكن، التي ذكرناها في الحلقة الماضية، والتي سنكمل ذكرها في الحلقة المقبلة إن شاء الله تعالى.

فالسكن له عدة موارد: فالسكن المادي: هو البيت والمأوى، قال تعالى:﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ (النحل: 80).

والسكن الزمني: كالليل قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ (يونس: 67).

والسكن الاجتماعي: كالعلاقة الزوجية قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا، وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم: 21).

وكذلك العلاقة بين المؤمنين قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ، إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: 63).

إذن، السكن في القرآن هو عبارة عن منظومة استقرار تشمل: المكان، والزمان، والعلاقات.

وقد تحدث القرآن الكريم عن معنى السكينة في الآيات المباركة، حيث قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الفتح: 4).

وهي: الطمأنينة القلبية، والثبات النفسي، المتولد من نور إلهي يلقى في القلب.

والسكينة تنزل، ولا تكتسب فقط، ولعلها تكون أوضح في الأزمات: قال تعالى ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ، إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ، إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ، إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا، فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ، وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا، وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ، وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 40).

فالسكينة ترتبط بمدى الإيمان، وكلما اشتدت الفتن على المجتمع المؤمن، كانت الحاجة إلى السكينة أعظم.

نسأل الله تعالى أن يثبت الأمة الإسلامية بالوقار والسكينة، وأن يجعلنا من الذين يبثون السكينة والطمأنينة في نفوس العباد، إنه سميع مجيب.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى