مقالات
أخر الأخبار

الجمود الفكري والانحطاط الحضاري

كتب خالد عليوي العرداوي.. إن الجمود صفة تشير إلى كل ما هو صلب وثابت وغير منتج، ويعمه التخلف والركود وعدم التأثر والاستجابة للتغيير والتطور، وهي صفة ذميمة سواء أطلقت على الانسان أو الحيوان أو الجماد أو الزمن أو المؤسسات.

والمجتمعات التي يسودها الجمود الفكري هي مجتمعات بدائية في استعمال العقل، وتغلب عليها سرديات الماضي، وعاداته وتقاليده العتيقة، دون تمحيص ومراجعة وغربلة لمعرفة الضار والنافع منها. فضلا على معاداتها لكل ما هو جديد؛ بسبب الجهل والخوف وعدم الالفة.

يعتقد من أصابه مرض الجمود الفكري بأنه على صواب دائما، ولا يحتاج إلى التغيير والانفتاح على ما هو جديد، حتى لو اثبتت كل الشواهد ان اعتقاده خاطئ، وان قناعاته محض هراء فارغ. ويتخذ المرض طابعه الوبائي المدمر عند انتقاله من كونه حالة فردية شاذة إلى ظاهرة عامة تصيب المجتمع بكافة افراده وفئاته.

ان سقوط الأمم لا يبدأ بأسباب مادية فقط، وانما يبدأ بأمراض فكرية تهيمن على عقول الناس، حكاما ومحكومين، نخبا وعامة، لتغدو هذه الامراض بمرور الزمن معاول غائرة تنخرها من الداخل، فتسلبها قدرتها على الصمود والاستمرار بوجه التحديات المختلفة، وأخطر هذه الامراض على الاطلاق هو الجمود الفكري.

ويبدأ الجمود الفكري مع ظهور سردية معينة يصدقها الناس، وعندما تحقق هذه السردية الهيمنة الثقافية في المجتمع تعيد تشكيل وعيه وفقا لمتطلباتها، وتتمظهر في عاداته وتقاليده وانماط تفكيره التي تحدد صورته النمطية عن نفسه وغيره. وفي هذه المرحلة ستبرز قوى معينة تحاول حرف السردية الاولى عن مقاصدها الاصلية لتكييفها بما يتناسب مع مصالحها، ومشجعة في الوقت نفسه المجتمع على عدم اجراء النقد والمراجعة للسردية الزائفة السائدة، بل يصبح أي نقد شكلا من اشكال الارتداد والخيانة، واي مراجعة شكلا من اشكال التمرد والمؤامرة، فيتم إيقاف عجلة الوعي والتفكير عند لحظة زمنية معينة من التاريخ؛ لتجتر بعد ذلك الأجيال المتعاقبة نفس الأفكار والعادات والتقاليد.

وأبرز القوى المساهمة في خلق الجمود الفكري هي القوى المرتبطة بالسلطة، فهذه القوى لا يهمها كثيرا البحث عن حقيقة السرديات وتطويرها بقدر اهتمامها بتوظيفها لخدمة بقائها في السلطة إلى ما لانهاية. لقد فعل ذلك الامبراطور قسطنطين الاول في القرن الرابع الميلادي، كما فعله الكثير من مشركي قريش في القرن السابع الميلادي، ولا زالت تفعله قوى السلطة إلى يومنا هذا.

ان ما تفعله هذه القوى بعد نصب نفسها حارسة وحامية لسرديتها المزيفة هو تشجيع المجتمع على تعطيل دور العقل الناقد، وكبح التجديد والتصحيح بحجة محاربة التجديف والخوف من الفتنة والفساد، وهذا ما نراه عندما خاطب فرعون قومه بالقول: “ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أو أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ” (سورة غافر: 26)، فعلى الرغم من معرفة فرعون ان موسى كان صادقا محقا في دعوته، الا انه وقف ضده، مشجعا المجتمع على الاعتقاد بألوهية فرعون، واتهام من ينكر هذا الاعتقاد بكونه ساحرا ومخربا ومحرضا على الفساد والفتنة.

فضلا على ما تقدم، هناك قوى أخرى تتظافر مع قوى السلطة في استدامة الجمود الفكري، وترتبط هذه القوى ببعض الزعامات الاجتماعية والدينية والثقافية التي قد تتشارك مع السلطة في سرديتها المزيفة أو تنفرد عنها بسرديتها الخاصة، فتقف حجر عثرة امام استعمال العقل، الفردي والجمعي، في اطاره الصحيح القائم على النقد والغربلة واختيار الاصلح؛ بسبب ارتباط مصالحها باستدامة هكذا سرديات زائفة، واحتمال تعرضها للضرر المادي والمعنوي في حال مراجعة القديم والانفتاح على الجديد من الأفكار والعادات والتقاليد.

ان المصالح الفاسدة تدفع صاحبها -غالبا- نحو التفكير الفاسد الذي يعاند الحق والحقيقة ومقتضيات التكيف، بحجة الحفاظ على القديم المتوارث، وهذا ما كشفه النص القرآني بقوله تعالى: “كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ” (سورة المطففين: 14)، وقوله تعالى: “وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ” (سورة الزخرف: 23).

ومع وجود هذه القوى المستفيدة من استدامة الجمود الفكري حول سردية معينة تتجذر أنماط التفكير السائدة داخل المجتمع، وتصبح المجتمعات بوعي أو لا وعي أسيرة ما توارثته على علاته، فيسودها التصلب الشديد أو التطرف المقيت، وتتسم ثقافتها بانها ثقافة صلبة تفتقر إلى الوعي والخيال الخلاق، وتكون مواقفها في التعامل مع مستجدات عصرها محكومة بقوله تعالى: “ إِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أولَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ” (سورة البقرة: 170).

ان الجمود الفكري قرين الانحطاط الحضاري للأمم والشعوب، فالعيش بنفس نمط تفكير الماضيين يعني تكرار اخطائهم وصراعاتهم بشكل أو آخر، فيما يتطلب النهوض الحضاري نمطا مختلفا من التفكير يرتكز على عقل علمي ناقد، يُحسن التفريق بين ما هو خاطئ وما هو صحيح من القديم البائد والجديد الوافد، ويحتاج ظهور هذا النمط الفكري إلى ثورة ثقافية شاملة تعيد تشكيل الوعي الفردي والجمعي تقف خلفها بيئة ثقافية معتدلة داعمة، تحترم حرية النقد والتجديد المعرفي، وسلطة سياسية ديمقراطية متحررة من ارثها الاستبدادي، ومؤسسات معرفية غير مسيسة وغير خاضعة لهيمنة القوى المساندة للجمود الفكري.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى