
كتب نبيل إبراهيم الزركوشي: إنَّ التطور العلمي الذي يشهده العالم في مختلف الأصعدة، والتسارع الكبير في وتيرة هذا التطور، يجعل منظومة التعليم العراقية، وخاصة مؤسسات التعليم العالي المتمثلة بالمراكز البحثية والجامعات وغيرها من المؤسسات التربوية، أمام تحدٍّ كبير يحتاج إلى مراجعة وتصحيح المسارات من قبلها تحت رعاية الدولة، وتسخير الإمكانات العلمية والمعرفية كافة من أجل اللحاق بركب التطوير العالمي الذي طالما كان العقل العراقي جزء منه لا بل شريكاً حقيقياً ومؤثراً فيه.
لعل السؤال الذي بات متداولاً هذه الأيام مع كثرة الحديث عن المخصصات الجامعية التي تُمنح للتدريسيين هو: ما هي إنجازات الأستاذ الجامعي، وماذا قدَّم للبلد؟ خصوصاً بعد خروج الجامعات العراقية من التصنيف العالمي.
قبل الإجابة عن هذا السؤال، يجب أن يعلم الجميع أن الجامعات العراقية تزخر بالعلماء والباحثين، ومنظومة البحث العلمي في العراق لم تتوقف، بل هناك بحوث ودراسات تُنشر في المجلات العلمية العالمية الرصينة.
كما أن للباحثين العراقيين مكانة مرموقة في العالم، وهم يحضرون المؤتمرات العلمية الدولية، إلا أن جميع هذه البحوث والدراسات، التي تُصرف عليها مبالغ مالية من الدولة وجهد ووقت كبير من الأستاذ الجامعي، تُنشر وتُركن على الرفوف وتبقى ورقية، دون تحويلها إلى منجز يمكن الاستفادة منه في سوق العمل أو دون أن تضيف شيئاً لتحسين واقع الفرد أو تطوير قدرات البلاد الصناعية والعلمية، وهذا ما يجعلها بعيدة عن الواقع الحياتي.
إن الاستفادة من هذه البحوث والدراسات لن تتحقق إلا من خلال منظومة تحوِّل العلم والبحث العلمي إلى صناعة تلامس واقع الحياة، وتطوره، وتخلق فرصاً للاستفادة الحقيقية منها، لذا، يمكن القول إن خروج الجامعات من التصنيف العالمي ليس بسبب تقاعس الأستاذ الجامعي، بل بسبب غياب بيئة قادرة على تحويل العلم إلى صناعة وبناء تكنولوجي وقيمي ومؤسساتي.
هذه البيئة يمكن أن تساهم في تعظيم موارد البلد وتحويل المؤسسات العلمية من مستهلكة للموازنة إلى شريك في تعظيمها، وبالتالي، فإن إشراك الأستاذ الجامعي في تطوير منظومة الصناعة من خلال رفدها بالبحوث العلمية، سيؤدي إلى تطوير الصناعات وازدهارها.
إن خلق هذه البيئة ليس من واجبات الأستاذ الجامعي، ولا هي ضمن منطلقات وأهداف الجامعة أو الكلية، بل يجب أن تكون هناك رعاية من قبل الدولة واحتضان للكفاءات والعقول العراقية، ولا ننسى هنا أن غياب قطاع خاص يمتلك رؤية حقيقية للتطوير من خلال الاستفادة من البحوث والدراسات التي تتبناها المؤسسات التعليمية كان له أثر سلبي أيضاً.
لذا، فإن الحديث عن الكلف المالية أو ما يُسمى بالمخصصات الجامعية وتخفيضها أمر قد يؤثر سلباً على الكفاءات العراقية داخل البلاد، وقد يؤدي ذلك إلى هجرتها إلى الخارج، لا سيما أن العقول العراقية مرغوبة في جميع الدول ولها باع طويل في تطوير الجامعات في مختلف أنحاء العالم، لذلك، يجب على الدولة أن تأخذ على عاتقها تحديد ما هو المطلوب من المؤسسات العلمية، وكيف يمكنها رفد سوق العمل بما يطوره



